السيد كمال الحيدري

322

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

العملية للشريعة ، وهنا تتفرّع مسائل جمَّة تبتني على أساس تفسير معنى الدين ، فما هو الدين ؟ وقبل الإجابة والتفصيل في ذلك ينبغي الوقوف عند ثلاثة أُمور اقتضتها الصناعة الفنّية في ترتيب المطالب وتنظيمها . الأوّل : يتعلَّق بإخبارية جملة نفي الإكراه وإنشائيَّتها . الثاني : يتعلَّق بعرض سبب نزول هذا المقطع من الآية وبيان أثره التفسيري ومناقشته . الثالث : يتعلَّق بدعوى نسخ هذه الفقرة من الآية ، مع مناقشة ذلك . الأمر الأوّل : إخبارية جملة نفي الإكراه وإنشائيتها كنّا قد تعرَّضنا إلى إخبارية جملة نفي الإكراه « 1 » ، وقد أرجأنا البحث في احتمال إنشائيتها إلى التفسير التجزيئي للآية ، وقد حان موعد الوفاء بذلك . إنَّ إنشائية الجملة يقتضي تحوُّلها من حالة النفي المجرّد إلى حالة النهي ، وحيث إنَّ النهي قرآني فإنَّ مُؤدّاه الحرمة الشرعية ، وبالتالي فإنَّ الآية الكريمة لا تريد القول بأنَّ إكراه الناس على العقائد الدينية أمر غير ممكن لجوانحيتها ، فذلك أمر مفروغ منه ، وإنما أصل الإكراه محرَّم ، لأنّ مؤدّاه إقصاء حرية الإنسان واختياره ، وهذا أمر محرَّم ، ويُحاسب عليه . والسرّ في تحريم الإكراه هو أنَّ الإكراه إنما يُشرَّع ويُقبل فيما إذا عجزنا عن إيصال الحقائق والبيانات والآيات إلى الإنسان ، فنُكرهه حرصاً منّا على إيصاله إلى الكمال المطلوب منه ، ولكننا غير عاجزين على إيصال الحقائق إليه « 2 » ، مع إنزال الكتب والصحف

--> ( 1 ) راجع : الفصل الثاني ( التفسير المفرداتي ) من الباب الثاني ، مفردة : ( لا إكراه ) . ( 2 ) ربما يتساءل البعض كيف يُتصوَّر الإكراه مع إمكان بيان المراد ، وهذا واقع للإنسان نفسه ، حيث لا يقع الإكراه منه ، فلا يكون مختصّاً بالله تعالى ؛ وجوابه إنَّ الإنسان كثيراً ما / / يقع الإكراه على شيء يعجز عن إيصال حقائقه للمُكره عليه ، من قبيل إكراهنا للطفل المريض على شرب الدواء المرّ الذي لا يرغب فيه أبداً ، فنحن إنما نُكرهه على ذلك لأننا عاجزون عن بيان حقيقة الدواء له وأهمّيته وضرورته ، ومهما بالغنا في الإيضاح فإنه لا يُعيرنا سمعه ، فنكون مضطرّين إلى إكراهه ، وإكراهنا له ممدوح عقلائياً ، بل إنه لا يُعتبر في نظر العقلاء إكراهاً ، لأنَّ الإكراه الحقيقي عندهم هو إلزام المقابل بشيء لا مصلحة فيه له بحسب منطق العقل ، ومن الواضح بأنَّ إلزام الطفل بشرب الدواء فيه مصلحة حقيقية له بحسب منطق العقل ، ولا يضرّ الجهل بها ، ولذلك لا إكراه له في البين . ومن خلال هذا المعنى يُمكننا فهم جانب من إكراه الشريعة لنا بالتمسّك بها بعد اعتناقنا للإسلام ، فإنَّ كثيراً من الأحكام غير قابلة للتفهيم ، سوى أنَّ المراد منها توثيق عُرى العبودية لله المُنقذة للإنسان من براثن عبوديته للدنيا والشهوات والمادّة ، ولا يُفهم العجز في ساحة الشريعة والمُشرِّع بقدر ما هو عجز محض في ساحة المُتشرِّع ، فالحاجّ عاجز عن فهم كمال الطواف سبعة أشواط حول الكعبة ، لكنه مُلزم بذلك ، قد يفهم بعض أسرار الطواف ، ولكنه يبقى عاجزاً عن الوصول إلى ملاكات الحكم ، فإلزامه في ذلك وإكراهه عليه لا يُعدّ إكراهاً حقيقياً ، إنما هو إكراه صوري ، نظراً لوجود مصلحة حقيقية فيما أُكره عليه ، وقد عرفت بأنَّ الإكراه مع وجود مصلحة يجهل بها المُكره لا يُعتبر إكراهاً في نظر العقلاء . منه ( دام ظله ) . .